أبيع سهمي لأول مشترٍ آتٍ .. مستثمرو سوق الأسهم في مواجهة القرار

  • لو أن هناك شيئًا واحدًا من الممكن أن يتفق عليه كل مَن وطأت قدماه سوق الأسهم فربما هو أن قرار بيع السهم أو التخلي عنه أصعب بكثير من قرار شرائه بالنسبة لأي مستثمر مهما بلغ من علم ومن خبرة.


     

     


    قرار شراء الأسهم أسهل كثيرًا. فهناك ألف سبب من الممكن أن يدفع المستثمر لشراء أي سهم. على سبيل المثال قد يشتري المستثمر السهم لأن إيرادات الشركة تنمو أو لأن أرباحها تتزايد أو لأنها تستعد لإطلاق منتج جديد، أو لأنها هدف لعملية استحواذ محتملة، أو لأن سهمها يتداول دون قيمته العادلة أو لأي سبب آخر


     


     


    في المقابل نجد أن قرار البيع أصعب ولذلك دائماً ما يشير الخبراء إليه باعتباره جوهر الحرفية في سوق الأسهم، وما يزيد من صعوبته هو أنك على الأغلب لن تجد أي محلل أو بيت خبرة ينصحك ببيع أي سهم (خصوصًا لو كان لشركة كبيرة بالسوق) لأنهم ببساطة لن يعرضوا علاقتهم مع تلك الشركة للخطر من أجلك، في أفضل الأحوال سيحولون توصيتهم من الشراء أو الاحتفاظ إلى محايد.


     


    ولكي تنجح في سوق مثل سوق الأسهم، يجب أن تتعلم بنفسك كيف ومتى تتخذ قرار البيع. وهذا بالمناسبة ليس اختياراً إذا كنت تفكر في الاستمرار في السوق، لأنك إذا لم تتعلم كيف تكون بائعًا ذكيًا لن يطول الأمر قبل أن تخسر كل أموالك بلا مبالغة. للأسف كثير من المستثمرين لا يبيعون السهم إلا هلعًا عندما ينخفض سعره أو يهتز السوق، أي يبيعون لأسباب عاطفية.


     


    "لقد كنت مخطئًا"


     


    قرار البيع بقدر ما يتعلق بقوة الإرادة بقدر ما يتعلق بالفلسفة، ولذلك لا يوجد نهج أو طريقة واحدة تناسب الجميع؛ فالقرار تحدده عوامل كثيرة من بينها على سبيل المثال الأسلوب الاستثماري والنطاق الزمني وحجم الأرباح المستهدف تحقيقها أو الخسائر المستهدف وقف نزيفها.


     


    بالنسبة لـ"آلان جرينبرج" الرئيس التنفيذي السابق لبنك الاستثمار الأمريكي "بير ستيرنز" قرار البيع بسيط جداً. فهو لا يتفلسف ولا يقلق بشأن تراجع سعر السهم بقدر ما يقلق بشأن ما يحدث لأساسيات الشركة. يقول "جرينبرج": "عندما ألاحظ تدهور أساسيات السهم أقوم ببيعه حتى لو كان سعره يرتفع أو مستقراً في مكانه".


     


    الرجل ببساطة لا يقع في حب أسهمه، ولذلك لا يجد صعوبة في التخلي عن سهم أي شركة لا يعجبه أداءها. ويوضح أن ما ساعده على ذلك هو أنه تعلم مبكرًا في مسيرته الاستثمارية أن يقول حين يخطئ "لقد كنت مخطئًا"، مشيراً إلى أن الاعتراف بالخطأ قاعدة استثمارية يعاقب السوق مَن يكسرها.


     



     


    هذا النهج يبدو بسيطًا وسهلًا ولكنه في الحقيقة أصعب ما يكون. فمعظم الناس وفي القلب منهم المستثمرون لديهم مشكلة في التعامل مع أخطائهم خاصة عندما يخسرون المال. أغلب المستثمرين الذين يتورطون في أسهم سيئة تتراجع أسعارها يفضلون الاحتفاظ بها على أمل أن تحصل معجزة وتسترد عافيتها بدلاً من بيعها بخسارة وهو ما يؤلمهم عاطفيًا وماليًا.


     


    هذا يحدث لأنه من السهل جدًا على المستثمر الركون إلى الأمل بدلاً من مواجهة الواقع، الجميع يشتري الأسهم على أمل أن يرتفع سعرها، ولكن إذا لم تمض الأمور على النحو المأمول يصطدم الأمل بصخرة الواقع وهو ما يتركهم في حيرة من أمرهم. وبدلاً من الاعتراف بخطئهم يفضل الكثير من المستثمرين التمسك بأملهم في أن يرتد السهم مرة أخرى.


     


    المستثمر في مواجهة نفسه


     


    مرة أخرى يبدو المنطق الكامن وراء قرار البيع واضحاً وبسيطاً ولكنه على أرض الواقع جحيم نفسي؛ في كتابه الصادر في عام 1977 تحت عنوان "متى تبيع؟" يقول المستثمر الأمريكي "جوستين ماميس" إن مشكلة المستثمرين هي أنهم يريدون تحقيق الكمال عندما يبيعون، فهم لا يرغبون في خسارة أي شيء ولكن هذا غير ممكن، وهو ما يتركهم في صراع داخلي يؤثر على بشكل سلبي على قراراتهم.


     


    لا يوجد هناك من يحب الخسارة، ولكنها تظل جزءًا من اللعبة في سوق الأسهم، والمستثمر الذكي هو مَن يعرف كيف يتعامل معها ويضع حدًا لها، وتكمن خطورة الخسارة غير المحققة أو الخسارة على الورق كما يحلو لبعض المستثمرين تسميتها هي أنها تعيق قدرة المستثمر على التفكير بشكل صحيح مما يدفعه إلى اتخاذ قرار خاطئ أو يمنعه عن اتخاذ قرارات صحيحة.


     



     


    ولكن هناك سؤال مهم يطرح نفسه وهو: كيف يعرف المستثمر ما إذا كان تراجع السهم هو تدهور طويل الأمد أم مجرد هزة مؤقتة؟ السر يكمن في حالة الأساسيا؛. فإذا قام المستثمر بفحص الأساسيات واكتشف أن حالتها تتدهور فالبيع ربما يكون هو القرار الحكيم في تلك الحالة، أما إذا كانت حالة الأساسيات مستقرة فلا ينصح بالتخلي عن السهم، بل قد يكون من الحنكة زيادة حجم المركز في ذلك السهم أي شراء المزيد منه.


     


    يقول "دانيل رايس" وهو أحد أنجح مديري صناديق الاستثمار في الولايات المتحدة "إن تقلبات السوق على المدى القصير لا تزعجني، حيث إن قراراتي تستند إلى تحليل مالي دقيق، وإذا حدث وتعرض سهم جيد لهزة أسارع لشرائه، وفي 95% من الحالات ينجح الأمر".


    وتابع "رايس قائلاً: "معظم المستثمرين يفعلون العكس، فإذا اهتز السهم فإنهم يخافون ويبيعونه في الحا،. وفي 95% من الحالات يخسرون".


     



     


    تشير الكثير من الدراسات إلى أن أغلب المستثمرين الأفراد يعتمدون على التحليل الأساسي بشكل أقل من المستثمرين المخضرمين أو ذوي الخبرة، حيث إنهم يجدون التحليل الفني والتقلبات اليومية لسعر السهم أكثر أهمية في عملية اتخاذ القرار من الأساسيات التي يحتاج فهمها إلى بذل وقت ومجهود كبيرين.


     


    خلاصة الكلام: إذا اشتريت سهمًا ثم تراجع سعره بسبب تدهور حالة أساسياته فكن قويًا وشجاعًا وتخلص منه قبل فوات الأوان، واستفد من التجربة التي ستعلمك دروسًا لن تتعلم مثلها بأي وسيلة أخرى؛ ففي بعض الأحيان يتعلم المرء من إخفاقاته أكثر مما يتعلمه من نجاحاته.


     


    أما إذا كانت حالة الأساسيات جيدة ومستقرة ولا سبب لتراجع سعر السهم سوى رد الفعل المبالغ فيه من قبل المتداولين فربما يجدر بك الاحتفاظ بالسهم حتى لو وجدت السوق كله يبيعه، هذا بالطبع خيار صعب لأن الإنسان كمخلوق اجتماعي يصعب عليه التحرك عكس الحشود، ولكنه يظل الخيار الأنجع من الناحية الاستثمارية.

688 views