الاستثمار في سوق الأسهم السعودي في زمن "كورونا" .. لا تكن حافظً

  • الاستثمار في سوق الأسهم السعودي في زمن "كورونا" .. لا تكن حافظًا غير فاهم

    "يصعد السوق إلى الأعلى بالسلم بينما يهبط إلى الأسفل بالمصعد" .. مثل أمريكي شهير ربما لا أدل على صدقه مما يحدث الآن في أسواق الأسهم العالمية وفي القلب منها سوق الأسهم السعودي منذ بداية العام الجاري وخصوصًا في الشهر الأخير، مع دخول المؤشرات في سباق على فقد النقاط التي احتاجت سنوات كي تحققها.

    في مطلع 2020 وتحديدًا في جلسة الأربعاء الموافق الأول من يناير الماضي، أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودي عند 8358.85 نقطة. وبعد مرور ما يقرب من 3 أشهر وتحديدًا في جلسة الاثنين الموافق الثالث والعشرين من مارس الجاري أنهى المؤشر التداولات عند 5990.23 نقطة، وهو مستوى لم يهبط إليه منذ أكتوبر 2016.

     

    هذا معناه أن السوق السعودي فقد خلال 12 أسبوعًا تقريبًا فقط ما احتاج إلى أكثر من ثلاث سنوات لكي يحققه.

     

    نفس الأمر ينطبق على السوق الأمريكي، والذي فقد مؤشره الرئيسي "داو جونز" الصناعي ما يزيد على ثلث قيمته أو أكثر من 10 آلاف نقطة في غضون عدة أسابيع، ليخسر ما ظل يبنيه منذ نوفمبر 2016 عقب فوز "ترامب".

     

    ما الذي يحدث بالضبط في السوق؟

     

    المجزرة والتقلبات العنيفة التي تشهدها الأسواق في الآونة الأخيرة تحدث على إثر تداعيات انتشار فيروس "كورونا" (كوفيد-19) الذي ظهر في الصين في ديسمبر الماضي قبل أن يخرج منها لينتشر في 198 دولة وإقليم حول العالم حتى الآن، وهو ما دفع منظمة الصحة العالمية إلى تصنيفه وباءً عالميًا في الحادي عشر من مارس.

     

    وعلى وقع التطورات المتسارعة المتعلقة بهذا الوباء كانت الأسابيع الماضية بمثابة فيلم رعب بالنسبة لمعظم مستثمري سوق الأسهم السعودي وبالأخص حديثي العهد منهم بالسوق، والذين ربما دخلوه لأول مرة تزامنًا مع اكتتاب "أرامكو" قبل ما يقرب من شهرين ونصف الشهر.

     

    ما يحتاج الجميع إلى تذكره أن الأزمة الحالية ليست أول أزمة تتهاوى على إثرها الأسواق وبالتأكيد لن تكون الأخيرة. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية وقعت تسع أزمات كبرى (باستثناء أزمة "كورونا") كانت لها آثارًا سلبية على أسواق الأسهم، بما في ذلك أزمة حصار برلين في عام 1948 وغزو العراق للكويت في 1990 وأزمة الديون الروسية في 1998 وأزمة 2008 المالية.

    ولكن ما يميز الأزمة الحالية عن كل الأزمات السابقة هو أنه لأول مرة لا يخشى المستثمرون على قيمة محافظهم واستثماراتهم فقط بل تمتد مخاوفهم لتشمل صحتهم وأمنهم الشخصي ورفاهيتهم ورفاهية أسرهم. هذا الوضع أربك حتى أذكى المستثمرين وأكثرهم خبرة لأن هذه هي المرة الأولى في التاريخ الحديث التي تسبب فيها جائحة في مذبحة في سوق الأسهم.

     

    الأسئلة التي يقف أمامها الآن الجميع في سوق الأسهم حائرًا بينما يشعر بالعجز وقلة الحيلة هي: ما العمل؟متى ستنتهي الأزمة؟ هل حان وقت القفز من السفينة؟ أم أن هذا هو وقت الدخول واقتناص عدد من الأسهم المتراجعة؟ نحتفظ بالأسهم المتراجعة أم نبيعها؟ متى سيرتد السوق؟ وهل سيرتد أصلًا؟

     

    يكذب من يدعي أن لديه إجابات حاسمة على تلك الأسئلة، ففي أجواء مثل هذه لا يملك أحد سوى أن يقارب ثم يسدد. وعلى هذا الأساس كل ما سيحاول هذا التقرير فعله هو مساعدتك على فهم الصورة الكبيرة للمشهد بعقلانية بعيدًا عن حالة الارتباك والذعر السائدة في السوق الآن والتي تدفع الكثير من المستثمرين إلى اتخاذ قرارات استثمارية تضر بمصالحهم.

     

    لا تتذاكى!

     

    واحدًا من الكليشيهات النمطية التي دائمًا ما تظهر على السطح في أسواق الأسهم وقت الأزمات يتمثل في العبارة التالية "لنبيع الآن ثم نعود عندما تهدأ الأمور ويتعافى السوق".

     

    للوهلة الأولى تبدو العبارة السابقة منطقية جدًا، ولكنها في واقع الأمر مضللة جدًا، لأن معناها ببساطة أن يبيع المستثمر بخسارة الآن ثم يعود لاجقًا (لا أحد يعلم متى) ليشتري ما باعه بسعر أعلى. وللأسف يطبق البعض هذه النصيحة دون أن يفهمها أو يفهم تداعياتها، معتقدًا بذلك أنه ينقذ نفسه.

     

    أغبى شيء قد يفعله المستثمر في هذه الأيام أن يكون محدده الرئيسي والوحيد هو محاولة توقيت السوق أو مجاراته زمنيًا، بمعنى أن يخرج لاعتقاده أن السوق في طريقه لمزيد من التراجع أو أن يدخل مراهنًا على أنه حان وقت ارتداد السوق إلى الأعلى.

    نظريًا، إن أفضل سيناريو بالنسبة لأي مستثمر هو أن يدخل السوق في أدنى نقطة له قبل صعوده، وأن يخرج منه في أعلى نقطة له قبل هبوطه. ولكن فعليًا هذا غير ممكن وربما مستحيل، ولو صادفك الحظ وتمكنت من فعلها مرة فعلى الأغلب ستفشل في المرات المئة القادمة. حتى أشهر مستثمري العالم لا يمكنهم توقيت تحرك السوق، بل إنهم لا يحاولون فعل ذلك أصلًا.

     

    من يحاول فعل ذلك هو في الحقيقة لا يستثمر وإنما يلعب قمارًا مع السوق، وهذا نهج خطير جدًا في الأوقات العادية فما بالك بأوقات الأزمات التي تكون فيها التقلبات العنيفة هي السمة الأبرز لدى السوق. اتباع هذا الأسلوب في خضم أزمة كورونا الحالية من الممكن أن يتسبب للمستثمر في خسائر تقصم ظهره حرفيًا.

     

    ما العمل؟

     

    إذا كانت محاولة توقيت السوق هي استراتيجية خطرة، فما العمل؟ أولًا، لا أحد هنا يدعي أن السوق وصل بالفعل إلى القاع وأنه حان وقت الارتداد وبالتالي يجدر بالجميع أن يتمسك بمراكزه أو يزيد منها، وهذا ببساطة لأن أزمة وباء كورونا الحالية لا يعلم مداها ولا متى ستنتهي ولا ما ستؤول إليه في نهاية المطاف إلا الله.

     

    ثانيًا، كثير من المشاركين في سوق الأسهم السعودي اليوم وبالأخص ضيوف السوق الجدد اشتروا الأسهم الموجودة في محافظهم الآن بأسعار ربما أعلى من الأسعار الحالية، وفي ضوء عدم اتضاح ملامح أزمة كورونا التي يبدو أنها لا تزال في بدايتها وجد هؤلاء أنفسهم محاصرين في الزاوية بين خيارين أحلاهما مر: هل نبيع الآن بخسارة لكي ننقذ ما يمكن إنقاذه؟ أم نبقى حيث نحن حتى لا نفوت فرصة ارتداد السوق؟

     

    السؤالين السابقين لا يجاب عليهما بنعم أو بلا، ويجب على من يواجههما أن يفكر فيهما بالطريقة التالية: ببساطة، أنت لماذا دخلت السوق من البداية؟ ...... بما أنك صمت ولم تجب (لأن هذا حوار افتراضي أصلًا) أجيب بدلًا منك الإجابة المثالية وأقول: الرجل العاقل يدخل إلى السوق ليستثمر أمواله في واحدة من أهم أدوات تنمية رأس المال في العصر الحديث وهي الأسهم.

    والأسهم لا يحركها سواء على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل سوى عاملين اثنين لا ثالث لهما وهما الأساسيات ومعنويات المستثمرين. المستثمر الذكي يضع عينيه طوال الوقت على العنصرين معًا ولكن تظل الأساسيات هي المحرك الرئيسي لقراراته الاستثمارية لأنها وحدها هي المسؤولة عن القيمة طويلة الأجل للسهم.

     

    على مدار الأسابيع الأخيرة خسرت أسهم كثيرة جزءًا غير ضئيل من قيمتها متأثرة بشكل أساسي بمعنويات المستثمرين التي انهارت على إثر أزمة وباء كورونا الآخذة تطوراتها في التسارع بشكل كبير بعد أن تسببت في وقف شبه كلي للنشاط الاقتصادي حول العالم وألزمت مئات الملايين حول العالم بيوتهم.

     

    أي أن التراجع الحالي لم يكن بسبب أن أساسيات الشركات قد تغيرت للأسوأ أو لأن أعمالها تدهورت، بل هو مجرد انعكاس لحالة الذعر والارتباك التي تتسيد المشهد منذ منتصف فبراير الماضي والتي ازدادت حدتها بعد أن اضطرت الولايات المتحدة صاحبة أكبر وأقوى اقتصادات العالم إلى إغلاق أبوابها على نفسها في محاولة للسيطرة على انتشار الفيروس داخل البلاد.

     

    المشترك الآن بين كل الشركات المدرجة بالسوق هو أنها فقدت جزءًا من قيمتها على وقع التطورات الأخيرة ومن الممكن حتى أن تتسع خسائرها في الأيام القادمة، ولكن بعد انتهاء الأزمة الحالية والتي ستنتهي بالتأكيد يومًا ما حتى لو كنا لا نعرف متى، ستسترد الشركات الجيدة عافيتها حتمًا مستندة على أساسياتها القوية التي لم تتغير.

     

    لمصلحتك .. اهدأ

     

    في خضم الأزمة الحالية لا يحتاج مستثمرو سوق الأسهم إلى أن يكونوا أكثر ذكاءً ماليًا بقدر حاجتهم إلى أن يصبحوا أكثر هدوءًا واستقرارًا من الناحية النفسية. قد يرى البعض أن الحديث عن الهدوء والاستقرار النفسي في خضم الخسائر الدامية التي يعاني منها الكثير من الأسهم حاليًا هي رفاهية لا يتحملها، ولكن ما لا يدركه هؤلاء هو أنه في وضع مثل الوضع الحالي هو أحوج ما يكون إلى الهدوء والتعقل.

     

    الآن أصبحت إدارة المستثمر لنفسه ومشاعره أهم بكثير من إدارته لاستثماراته. يمكن ببساطة لأي شخص أن يضع أفضل خطة استثمارية ممكنة، ولكن ليس باستطاعة أي شخص أن يلتزم بتلك الخطة حين يتخطف الخوف الجميع وتهتز الأرض من تحت أقدام كل المشاركين في السوق.

     

    رغم أن أزمة وباء كورونا الحالية لا تشبه أي أزمة مر بها العالم من قبل إلا أنه لا يوجد حتى الآن ما يشير إلى أنه سيكون لها تأثير دائم على الشركات، أو ما يحول دون تعافي إيرادات وأرباح الشركات الجيدة بعد انتهاء الأزمة التي ستمر كغيرها في نهاية المطاف مهما طال الزمن.

    ما يحتاج الجميع إلى معرفته هو أنه ليس في الأزمة الحالية فقط وإنما في كل الأزمات الصحية والسياسية والاقتصادية السابقة سيطر الذعر والهلع على المستثمرين وشعروا في خضم كل أزمة أن النهاية قد حانت وأنه لا سبيل لتعافي السوق، لينقسم الجميع في النهاية إلى فريقين:

     

    فريق يقفز من السفينة خوفًا وهلعًا معتقدًا بذلك أنه ينقذ نفسه، وآخر يجاهد لإبقاء قدميه ثابتة ويحتفظ بالجيد من أسهمه رغم أنه قد يكون خائفًا أيضًا، ولكنه الفارق هو أنه نجح في تحجيم خوفه والسيطرة عليه لكي لا يدفعه للتخلي عن أسهم جيدة بالخسارة سترتد حتمًا للأعلى بعد أن يفيق السوق من سكرته.

     

    ومرة أخرى نكرر، لا تتذاكى وتحاول توقيت السوق، ومن يدعي أنه قادر على الخروج أو الدخول من أو إلى السوق في الوقت الصحيح تمامًا إما كاذب أو مخادع لنفسه. للأسف هؤلاء يعتقدون أنهم سيجلسون على ناصية الطريق، وسيقفزون في القطار بمجرد أن يبدأ في التحرك.

     

    ولكنهم يجهلون حقيقة بسيطة جدًا، وهي أنهم لن يدركوا أن القطار يتحرك إلا حين يبدأ الدخان في التطاير منه في الهواء، وحينها سيكون قد غادر المحطة بالفعل.

    ما يجب الإشارة إليه قبل ختام هذا التقرير أن أي محاولة للتعقل والتفكير بمنطقية في أوقات الأزمات غالبًا ما توصف من قبل المتحمسين بأنها فلسفة فارغة لا فائدة من ورائها، ولكن في الحقيقة إن العكس هو الصحيح، ففي أوقات مثل هذه يكون الجميع أحوج ما يكون إلى التعقل والرجوع إلى القواعد الحاكمة لسوق الأسهم.

     

    وفي الحقيقة إن هذه العقلية تثير سؤالًا لطيفًا جدًا: أيهما أقل منطقية وأقل تعقلًا: من يحاول الهدوء والسيطرة على عواطفه والاحتكام إلى الأساسيات المحركة لأسواق الأسهم في كل مكان بما في ذلك السوق السعودي؟ أم من يستمر في سوق يعتقد أنه لا قواعد تحكمه له ولا منطق وراء تحركاته؟

     

    قبل ثلاثة أشهر هلت علينا 2020 وهل معها الكثير من الأحداث والمفاجآت ويبدو والله أعلم أن هذا العام لا يزال في جعبته الكثير والكثير، ولذلك نقول مقدمًا: لتشتد ظهور الجميع، لا زلنا في مارس!